الراهب و الرهبنة - لنيافة الأنبا يسطس أسقف و رئيس دير القديس العظيم الأنبا أنطونيوس بالبحر الأحمر

الراهب و الرهبنة - لنيافة الأنبا يسطس أسقف و رئيس دير القديس العظيم الأنبا أنطونيوس بالبحر الأحمر

1. الراهب و الرهبنة

سؤال ؟ من هو الراهب و ماذا يفعل ؟ و ما علاقته بمن هم خارج الدير الذين نسميهم  علمانيين  و كيف يتعامل معهم ؟ نرجو أن تجيبونا على هذه الأسئلة .

من هو الراهب:

قال القديس أنطونيوس : رأس الحكمة مخافة الله . كما أن الضوء إذا دخل إلي بيت مظلم طرد ظلمته و أناره ، هكذا خوف الله إذا دخل قلب الإنسان طرد عنه الجهل و علمه كل الفضائل و الحكمة  (كتاب بستان الرهبان)

فالراهب هو من يرهب الله أي يخافه خوف المحبة و الوقار و الحرص علي إرضائه بتنفيذ وصاياه ، لذلك دُعي "راهب" أي "مُتقي الله" ، و كانت هناك فئة في شعب الله قديماً تُسمي "مُتقي الرب" و هم الذين كانوا يحرصون على تنفيذ وصايا الله و ناموسه كما نقرأ كلمات أحدهم في المزمور 118 ( 119 في الترجمة البيروتية ) ، هؤلاء كانوا يعيشون في خوف الله: "من هو الإنسان الخائف الرب ؟ يرشده في طريق رضاه . نفسه في الخيرات تثبت،و نسله يرث الأرض. الرب عزُ لخائفيه، اسم الرب لأتقيائه، ولهم يُعلن عهده "(مزمور 24 أو 25 بيروتية) : 12- 14).

أما الاسم اليوناني لكلمة "راهب" فهي Monachos ، أي من يعيش منفرداً . وبهذا المعنى يصف مار اسحق السرياني الراهب بقوله :        الراهب هو إنسان قد ترك العالم كلية، وكذلك بلده وأقاربه، و انتقل إلى الأديرة و البراري، ليجلس في الهدوء ويعمل

بيده ويقيت نفسه، ويعبد الله ليلاً ونهاراً.

أما عمله فهو : الصوم، و السهر، والسجود، وتلاوة المزامير و قراءة الكتب.

أما فضائله فهي : التجرد، والبُعد عن كل شره وشهوة، الرحمة، خدمة الغرباء، الطاعة لسيدنا (يسوع المسيح) بحفظ وصاياه، الخضوع للآباء، الاتضاع،المحبة للرهبان، السكوت والصمت، خدمة الضعفاء في ديره، عمل اليدين، حفظ الحواس، العفة، الاحتراس من تشتت الأفكار، الصبر، عدم الغضب، الصفح عمن يضيره أو يحزنه، نبذ الشهوات، الدوام في الصلوات القلبية، تضرع القلب، بسط اليدين نحو السماء. وباختصار: النسك والتوبة ومحبة الأعمال مع بغضة الذات أي رفض الشهوات.

ويحذر مار اسحق من يلبس لبس الرهبنة ولا تكون له أعمال الرهبنة:

وكل راهب لا يمارس كل ذلك في ذاته، فهو لا يزال في رتبة ومنزلة العلمانيين. طوبى للذين يحفظون ويعملون. لا تفتخر بالاسم بل اجتهد في الأعمال. لآن العمل هو الذي يبرر ولو كان بلا شكل ولا اسم. (بستان الرهبان)

وهذا التحذير القاطع يضع أمام ناظري كل إنسان جوهر الرهبنة وليس زيها ولا اسمها، وأتعابها وليس مظهرها الخارجي.

ويقول القديس كليمادوس : الراهب هو الذي يستعد ليصير مثل الملائكة بدون هم، ويشق عنه ثوب العالم. لا تظن أن مُعاشرات القديسين وحدها أو السُكنى في مواضع الصديقين فقط تنفعك، ارفض جميع هذه الخرافات، لأنه لا تؤخذ أجرة للمجاهدين لتُعطى للكسلان لأن الأخ لا يفدي أخاه فداءً، إذ يقول : "إنك تجازي كل واحد حسب عمله".

ويتساءل مار اسحق: وإن كنت تسأل وتقول : إلى أين؟ ولأي حد أُجاهد؟  فإني أقول لك : إلي درجة الموت جاهد من أجل الله. جاهد نفسك في صلاة الليل وزدها مزاميراً، لأن رجاءً عظيماً ومعونة في الجهاد من أجل الله ينتظرانك.

إذن، الجهاد الرهباني مستمر حتى الممات. وليس هناك استثناء، وكل القديسين جاهدوا وجاهدوا وصبروا وتيقظوا لرهبانيتهم واحترسوا من ضعف بشريتهم حتى ساعة الموت.

2. الأديرة مكان ممارسة الرهبنة والحياة في مخافة الله :

الدير هو مكان سُكنى الرهبان الآتين لقصد الرهبنة، والرؤساء والمدبرون والمسئولون عن الدير ليس لهم هم إلا أن يوفروا للراهب منذ دخوله الدير و إلي يوم الممات فرص ممارسته لحياة الرهبنة حسب طقس الآباء القديسين. وقد حفلت الكتابات الرهبانية القديمة والحديثة بكل التعاليم والوصايا والتوجيهات للراهب الذي يريد    أن يكمل حياته في مخافة الله ورضاه حتى الممات. كما حفلت قوانين الرهبنة بتوجيهات للمدبرين والرؤساء عن كيف يحمون و يحفظون أولادهم الرهبان في قداسة الحياة الرهبانية ويصدوا عنهم كل ما يعثرهم ويبعدهم عن الحياة الرهبانية المسلمة من الآباء.

فما يعطي الفرصة للراهب أن يحقق رهبانيته ويقضيها بسلام وكمال طيلة أيام حياته هو "الدير" الذي يوفر للراهب هذه الحياة بحرص المسئولين عنه والآباء الذين يدبرونه على صيانة والحفاظ على جو الرهبنة داخل الدير وتدبير حياة الرهبان بالحكمة والبصيرة النفاذة التي تستطيع أن تقي الراهب من عثرات الردة إلي حياة "العالم" أي إلى "الحياة العلمانية" السابقة، وأن تشجعه بالأحرى على النمو والتقدم في طريق البر والجهاد طيلة أيام حياته وإلى يوم الممات. لذلك وبعد كل هذا فإن أي تعثر يحدث للراهب نتيجة عدم تنفيذه قوانين الرهبنة، لابد أن يُراجعه المسئولون عليه.

يقول القديس أنطونيوس لمدبري الأديرة:

أدب بخوف الله ولا تشفق، لا تأخذ بوجه كبير ولا صغير بل اقطع بكلام الحق بكل استقامة (بستان الرهبان)

3. قوانين الرهبنة:

ومن بين أهم القوانين الرهبانية ما ورد في قوانين القديس باخوميوس أب الشركة، كما يلي:

المبتدئ يتعلم الممارسات الروحية

Vإذا تقدم أحد ليلتحق بالدير، يجب أن يُختبر أولاً وتُفحص سيرته بدقة لئلا يكون قد صنع شيئاً رديئاً وبسببه يريد أن يدخل الدير، ويتم اختباره للتأكد من قدرته على ترك حياته العلمانية السابقة يقصد الأقارب والممتلكات. ويُضاف إلي هذا الآن للتأكد من عدم دخوله الدير طمعاً في مناصب كنسية وعده بها أحد أو أضمر هو ذلك في نفسه

V فإذا ما رأوه معتدلاً في كل شئ، فإنه يتم تعليمه آداب الرهبنة وما يجب أن يتصرف به في الكنيسة وفي المكان الذي سيقيم فيه، وما يجب أن يسلك فيه بخصوص الأكل ووصايا الدير وكيفية التصرف في كل عمل.

V وبعد أن يتعلم هذه الوصايا، يمكن قبوله وسط الأخوة الرهبان، ويلبس ملابس المبتدئين، ويكون له مكان مخصص يقيم فيه. ويُعهد إلي أحد الرهبان القدامى بتعليم المبتدئين آداب الرهبنة وقوانينها. ويظل المبتدئ تحت الاختبار لمدة 3 سنوات بعدها ينال نعمة الرهبنة بالصلوات التي تُصلى عليه باعتباره مات عن العالم وحياته العلمانية القديمة وتتلى عليه الوصايا المختصة بحياته الجديدة ويسلم ملابسه السوداء الجديدة. ولابد من استمرار تعهد الراهب بعد دخوله الرهبنة بالتعليم والوعظ والتذكير المستمر مع تعاهد الأب الروحي للدير له بالتعليم والإرشاد والتحذير.وبدون ذلك التعليم والتعاهد المستمر للراهب يمكن أن يحدث أي شئ ضد النزاهة الرهبانية والحياة الروحية المستقيمة للراهب وللدير.